العودة إلى مركز المعرفة
03مقال

ماذا يخسر العالم عندما يحد الإقصاء الجغرافي من المشاركة في الاقتصاد العالمي؟

مقدمة: عندما لا تكون الفرص متاحة للجميع بالطريقة نفسها

لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للتواصل أو الوصول إلى المعلومات. فقد غير الطريقة التي يستطيع بها الأفراد والشركات تقديم خدماتهم، وبيع منتجاتهم، والعمل مع عملاء وشركاء في دول أخرى.

وأصبحت كثير من المنتجات والخدمات قابلة للوصول إلى أسواق خارج الحدود دون أن يكون وجود مقدمها في المكان نفسه الذي يوجد فيه العميل أو السوق شرطًا دائمًا.

وهذا التحول وسّع إمكانات المشاركة في الاقتصاد العالمي، لكنه جعل سؤال الوصول أكثر أهمية أيضًا: ماذا يحدث عندما يستطيع شخص الاستفادة من هذه الإمكانات، بينما يواجه شخص آخر عوائق مرتبطة بمكان إقامته أو جنسيته؟

قد تبدأ الخسارة عند الفرد في صورة فرصة اقتصادية لا يستطيع الوصول إليها، أو تكلفة إضافية، أو مشروع لا يستطيع إطلاقه، أو سوق لا يستطيع الوصول إليه.

لكن إذا تكررت هذه الحالات، فقد تتجاوز آثارها الفرد الواحد.

فماذا يمكن أن يخسر الفرد؟ وماذا يمكن أن تخسر المجتمعات والدول؟ وماذا يمكن أن يخسر الاقتصاد العالمي عندما تحد العوائق الجغرافية من مشاركة بعض الأشخاص والكيانات في الفرص الاقتصادية العالمية؟

هذا ما يحاول هذا المقال استكشافه، مع التأكيد أن هذه آثار محتملة تحتاج إلى البحث والبيانات لإثبات حجمها وطبيعتها، وليست نتائج تفترضها مؤسسة المسار مسبقًا.

ماذا يمكن أن يخسر الفرد؟

قد تكون خسارة الفرد أكبر من مجرد صعوبة الوصول إلى فرصة أو تحمل تكلفة إضافية.

ففي بعض الحالات قد يستطيع الإنسان تجاوز العائق من خلال طريق بديل، بينما قد تكون الفرصة في حالات أخرى غير متاحة له أصلًا.

وقد يعني ذلك فقدان فرصة للعمل مع عميل دولي، أو تقديم خدمة، أو بيع منتج، أو بناء مشروع، أو اكتساب خبرة في سوق عالمي.

وعندما تضيق الخيارات المتاحة للفرد، فقد يضطر إلى الاكتفاء بفرص محدودة داخل سوقه المحلي، حتى عندما يمتلك مهارات أو قدرات يمكن أن تستفيد منها أسواق أوسع.

وقد يؤثر ذلك في دخله وقدرته على بناء مشروع أو تحسين مستوى معيشته. وفي بعض الحالات، قد تكون محدودية الوصول إلى الفرص الاقتصادية أحد العوامل التي تجعل تحسين الوضع الاقتصادي أو الخروج من الفقر أكثر صعوبة.

وقد يخسر الإنسان أيضًا فرصًا غير مالية، مثل اكتساب خبرة دولية، أو بناء علاقات مهنية، أو تطوير مشروع، أو الوصول إلى عملاء وأسواق جديدة.

وفي بعض الحالات، قد يدفع البحث عن بيئة توفر وصولًا أوسع إلى الفرص الاقتصادية الإنسان إلى التفكير في تغيير مكان إقامته أو نقل نشاطه. ولا يعني ذلك أن الإقصاء الجغرافي هو سبب الهجرة أو الانتقال في كل حالة، فهذه القرارات تتأثر بعوامل كثيرة، لكن احتمال ارتباط بعض قرارات الانتقال بصعوبة الوصول إلى الفرص الاقتصادية يستحق الدراسة.

ماذا يمكن أن تخسر المجتمعات؟

عندما تكون الخسارة فردية، قد تبدو محدودة.

لكن إذا واجه عدد كبير من الأشخاص عوائق متشابهة، فقد تصبح المسألة أوسع من مجموعة من الحالات الفردية.

قد تضم هذه الفئة أشخاصًا يمتلكون مهارات، أو أفكارًا، أو مشاريع، أو خدمات يمكن أن تجد أسواقًا خارج حدود مجتمعاتهم.

وإذا لم يتمكن بعضهم من الوصول إلى تلك الأسواق، فقد لا يستفيد المجتمع بالقدر نفسه من الطاقات الموجودة فيه.

ولا يعني ذلك أن كل شخص لم يصل إلى فرصة عالمية كان سيحقق نجاحًا لو وصل إليها.

لكن السؤال الذي يستحق البحث هو:

هل يمكن أن تؤدي العوائق الجغرافية إلى تقليل استفادة المجتمعات من بعض الطاقات والمهارات والمشاريع الموجودة فيها؟

ماذا يمكن أن تخسر الدول؟

يمكن أن تستفيد الدول من مشاركة أفرادها ومشاريعها في الاقتصاد العالمي من خلال التجارة، وتقديم الخدمات، وتطوير الأعمال، واكتساب الخبرات والعلاقات الاقتصادية الدولية.

لكن إذا واجه بعض الأفراد والكيانات عوائق تحد من قدرتهم على الوصول إلى هذه الفرص، فقد تضيع فرص محتملة للنمو والتوسع.

وقد يجد بعض أصحاب المهارات أو المشاريع أن نقل نشاطهم إلى دولة أخرى يوفر لهم وصولًا أسهل إلى الأسواق والخدمات التي يحتاجون إليها.

ومرة أخرى، لا يمكن افتراض أن هذه القرارات ناتجة عن الإقصاء الجغرافي وحده.

لكن إذا أظهرت الأبحاث أن العوائق المرتبطة بالموقع تؤثر في بعض هذه القرارات، فقد يعني ذلك أن القضية لا تتعلق فقط بخسارة فرصة فردية، بل قد تمتد إلى فقدان جزء من النشاط الاقتصادي أو الطاقات البشرية التي كان يمكن أن تساهم في اقتصاد الدولة.

ماذا يمكن أن يخسر الاقتصاد العالمي؟

الاقتصاد العالمي لا يتكون فقط من الشركات والأسواق ورؤوس الأموال.

إنه يتكون أيضًا من الأشخاص والمهارات والأفكار والمشاريع والخدمات التي تساهم في خلق القيمة.

فإذا كان هناك أشخاص يمتلكون قدرات يمكن أن تستفيد منها الأسواق العالمية، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها بسبب عوائق مرتبطة بمكانهم، فقد تكون هناك مساهمات اقتصادية محتملة لا تصل إلى السوق أصلًا.

قد تكون فكرة لم تتحول إلى مشروع.

أو خدمة لم تصل إلى العميل الذي يحتاج إليها.

أو مهارة لم تجد السوق الذي يمكن أن تستفيد منها.

أو مشروعًا لم يتمكن من التوسع خارج حدوده المحلية.

ولا يمكن معرفة حجم هذه الإمكانات غير المستغلة بمجرد النظر إلى الحالات الفردية.

لكن ذلك يقود إلى سؤال جوهري:

ماذا يخسر الاقتصاد العالمي عندما لا تصل بعض القدرات والأفكار والمشاريع إلى الفرص التي يمكن أن تستفيد منها؟

لماذا نحتاج إلى معرفة حجم هذه الخسارة؟

من السهل افتراض أن وجود عائق يؤدي إلى خسارة.

لكن معرفة حجم الخسارة وطبيعتها تحتاج إلى البحث.

نحتاج إلى معرفة عدد الحالات، وطبيعة العوائق، ومدى ارتباطها بمكان الإقامة أو الجنسية، ومن يستطيع تجاوزها ومن لا يستطيع، وما تكلفة ذلك، وما تأثيره في الدخل والمشاريع والنشاط الاقتصادي.

وقد تظهر البيانات أن بعض الآثار كبيرة، أو محدودة، أو مختلفة عما نتوقعه.

ولهذا لا تريد مؤسسة المسار أن تبدأ من حجم خسارة مفترض، بل من محاولة فهم ما يحدث فعلًا.

خاتمة: ماذا لو أصبحت الفرص أكثر ارتباطًا بالقدرات؟

قد لا نعرف حتى الآن حجم الإمكانات التي لا تصل إلى الاقتصاد العالمي بسبب العوائق المرتبطة بالمكان.

وقد لا نعرف كم من الأفكار والمشاريع والمهارات لم تجد طريقها إلى الأسواق التي يمكن أن تستفيد منها.

لكن يمكننا أن نطرح سؤالًا:

ماذا يمكن أن يحقق الاقتصاد العالمي إذا أصبحت قدرة الإنسان على المشاركة فيه أكثر ارتباطًا بمهاراته وإمكاناته، وأقل ارتباطًا بمكان إقامته أو جنسيته؟

قد تكون الإجابة في زيادة الفرص والدخل، ونمو مشاريع جديدة، ووصول مهارات وأفكار إلى أسواق جديدة، وربما في بناء روابط اقتصادية ومهنية أوسع بين المجتمعات.

لكن معرفة هذه الآثار وطبيعتها لا يمكن أن تأتي من الافتراض.

تحتاج إلى البحث، والبيانات، والتجربة، والاستماع إلى الواقع.

وهنا تواصل مؤسسة المسار رحلتها:

من السؤال، إلى البحث، إلى المعرفة، ثم إلى المساهمة في الحد من آثار الإقصاء الجغرافي وتعزيز عدالة الوصول إلى الاقتصاد العالمي.